الزركشي

435

البحر المحيط في أصول الفقه

النصف بقوله تعالى قم الليل إلا قليلا نصفه فالضمير في نصفه عائد على الليل قطعا ونصفه بدل فإما من الليل بعد الاستثناء فيكون إلا قليلا نصفا وإما من قليل فتبين أنه إنما أراد بالليل نصف الليل وربما تمسك به القائلون بالأكثر من جهة قوله أو زد عليه . وأجيب بأن نصفه مفعول بفعل مضمر أي قم نصفه لا بدل لأن النصف لا يقال فيه قليل ورد بأنه يلزم على هذا أن يكون أمره أولا بقيام الليل إلا قليلا فيكون أمرا بقيام الأكثر فقوله بعده نصفه مخالف له فيلزم أن يكون ناسخا وليس كذلك لأنه متصل وشرط الناسخ أن يكون متراخيا وقال ابن عصفور بل ضمير نصفه يعود على القليل وهو بدل منه بدل البعض من الكل وجاز وإن كان القليل مبهما لأنه قد تعين بالعادة أي ما يسمى قليلا في العادة . ونقل الإمام في المحصول منع استثناء الأكثر قال وله في المساوي وجهان ونقل المازري والباجي عن القاضي قولين في أكثر ونقل القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق والمازري والآمدي عن الحنابلة أنه لا يصح الأكثر والمساوي . وشرطوا أن ينقص عن النصف وحكاه الآمدي في شرح الجزولية عن البصريين . والذي في التقريب للقاضي يمتنع استثناء الأكثر في الأشبه عندنا وإن كنا قد نصرنا في غير هذا الموضع جوازه ولهذا قال المازري آخر قولي القاضي المنع ولم يتعرض القاضي للمساوي وقال إلكيا الطبري كان القاضي أولا يجوز استثناء الأكثر ثم رجع عنه آخرا في التقريب والإرشاد وقال لا يجوز ذلك وهو مخالف لإجماع الفقهاء فإنهم قالوا لو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين صح والذي في كتب الحنابلة تخصيص ذلك بالعقود قالوا ولا خلاف في جوازه إذا كانت الكثرة من دليل خارج لا من اللفظ وعلى هذا فلا يحسن الاحتجاج عليهم بالآية السابقة لأنه ليس فيها عدد محصور وفرقوا بورود اللغة في هذا دون ذلك ولأن حمل الجنس على العموم إنما هو من طريق الاحتمال لا من جهة القطع على جميع الجنس بخلاف الأعداد فإن جميعها منطوق بها فصار صريحا . قد صرحوا بحكاية هذا مذهبا آخر وهو التفصيل بين أن يكون العدد صريحا فلا يجوز استثناء الأكثر نحو عشرة إلا تسعة وبين غيره فيجوز نحو خذ الدراهم إلا ما في الكيس الفلاني وكان ما في الكيس أكثر من الباقي .